محمد متولي الشعراوي

1942

تفسير الشعراوى

له ، ويطلقون كلمة « مفازة » على الصحراء إطلاقا تفاؤليا ، لا يسمونها « مهلكة » لأن الذي كان يجوبها يهلك فسموها « مفازة » تفاؤلا بأن الذي يسلكها يفوز ، أو أن الصحراء أرض مكشوفة ، وما دام الإنسان قد وصل إلى أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيّات ، أو من عدو راصد ، وفي ذلك فوز له ، لأنه تجنب هذه المخاطر ، إنه إن سار في الجبال والوديان فمن الممكن أن تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى ، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم ، وتكون التسمية على حقيقتها ، ومن يرى أن الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت « مفازة » تفاؤلا ، كما يسمون اللديغ الذي لدغه الثعبان ب « السليم » . ونحن في أعرافنا العادية نتفاءل فنضع للشئ اسما ضد مسماه تفاؤلا بالاسم ، مثال ذلك : إذا كنت في ضيافة إنسان وقدم شرابا . قهوة مثلا ، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم لك القهوة لخادمه : تعال « خذ المملوء » ولا يقول : « خذ الفارغ » وهذا لون من التفاؤل « 1 » . « فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » هم يظنون أنهم بمفازة من العذاب برغم أنهم لا يؤمنون بالحق ، ولا يؤمنون بسيطرة الحق على كل أحوالهم وكل أمورهم فهم يظنون أن انتصارهم في معركة الدنيا لا هزيمة بعده ، ولكن الحق بعد هذه الآية قال : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 )

--> ( 1 ) راجع أصله : وخرج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر .